Higreenpanda

لم تعد الصين مجرد ورشة تصنيع للعالم، بل تحولت إلى قوة مبتكرة تصوغ مستقبل الصناعات العالمية، وعلى رأسها صناعة السيارات. بين عامي 2009 و2023، شنت الحكومة الصينية حملة دعم مالي واستراتيجي ضخمة وممنهجة، لم يكن هدفها مجرد تعزيز التصنيع المحلي، بل تحويل البلاد من مستورد للسيارات إلى لاعب رئيسي يصدر منتجاته إلى كل أسواق العالم. لكن هذه الرحلة، مثل أي تحول جذري، لم تخلُ من تعقيدات، حيث أفرزت فرصاً هائلة وتحديات كبيرة، خاصة للمستوردين والتجار الدوليين.

الاستراتيجية الصينية: دعم طويل الأمد برؤية واضحة

لم يكن الدعم الحكومي الصيني عشوائياً أو مجرد حافز مؤقت. بل كان استثماراً استراتيجياً طويل الأمد يهدف إلى:

تشجيع التصنيع المحلي
بناء قاعدة صناعية وطنية متكاملة تقلل الاعتماد على الاستيراد، وبالتالي تعزيز القدرة التنافسية للصناعة الصينية.

تسريع التحول نحو الكهرباء
لقد ركزت الحكومة على دفع عجلة الابتكار في مجال السيارات الكهربائية والهجينة، مما يمهد الطريق لمستقبل مستدام في النقل.

خلق بيئة تنافسية
تم تحفيز المنافسة المحلية لإنتاج سيارات أفضل وأكثر كفاءة، الأمر الذي انعكس إيجاباً على جودة المنتجات وأسعارها.

التوسع العالمي
تهدف الصين إلى تهيئة الصناعة المحلية لغزو الأسواق العالمية وتصدير السيارات بكميات كبيرة، مستفيدة من الدعم الحكومي.

النتائج: طفرة صناعية مع ارتدادات غير متوقعة

لقد أثمرت سياسات الدعم عن نتائج مذهلة، ولكنها أيضاً أفرزت تحديات كبيرة:

انفجار أعداد الشركات
ظهرت مئات الشركات المصنعة الجديدة، حيث قفز العدد إلى حوالي 500 شركة في ذروة الدعم. ومع ذلك، لم تكن جميعها شركات حقيقية، إذ أن كثيراً منها تأسس فقط للاستفادة من أموال الدعم دون وجود نموذج عمل مبتكر أو فعال.

الترشيح الطبيعي والبقاء للأقوى
مع انتهاء فترة الدعم وغياب الجدوى الاقتصادية الحقيقية للعديد من هذه الشركات، شهد السوق عملية ترشيح طبيعية عنيفة، حيث انخفض عدد الشركات الفاعلة إلى أقل من 100 شركة.

فائض إنتاجي هائل
على الرغم من إنتاج المصانع الصينية أكثر من 26 مليون سيارة سنوياً، لم يتجاوز الطلب المحلي الفعلي 10 ملايين سيارة. ونتج عن ذلك فائض قدره أكثر من 16 مليون سيارة سنوياً، مما شكل أزمة تخزين وكساد حقيقية داخل السوق المحلي.

تأثير الدعم على التجار والمستوردين: الفرص والمخاطر

خلق هذا المشهد فرصاً وتحديات متوازية للتجار والمستوردين حول العالم، كما يلي:

الفرص الإيجابية

منافسة شرسة وأسعار منخفضة
بفضل تعدد الشركات والمنافسة المحتدمة بينها، انخفضت الأسعار بشكل كبير، مما منح المستوردين فرصة للحصول على سيارات بأسعار تنافسية للغاية.

تشجيع الحكومة على التصدير
لمواجهة مشكلة الفائض، شجعت الحكومة الصينية على تصدير السيارات المكدسة، وفتحت الباب للمستوردين للوصول إلى هذه الكميات بأسعار مغرية.

الدعم المالي عند التصدير
لم يتوقف الدعم عند البيع المحلي، بل حصلت الشركات المصدرة على إعفاءات ضريبية ودعم إضافي، أهمها استرجاع ضريبة القيمة المضافة (VAT Refund) والتي تتراوح بين 13% إلى 17%. ونتيجة لذلك، قد تبيع بعض الشركات السيارات بسعر التكلفة أو أقل، معتمدة على استرجاع الضريبة كمصدر للربح.

التحديات والمخاطر السلبية

شركات “الدخان”
العديد من الشركات التي تأسست في ظل الدعم تفتقر إلى الخبرة والبنية التحتية القوية. وبدلاً من بناء علامة تجارية قوية، تهدف إلى جني الأرباح السريعة، مما يجعل التعامل معها محفوفاً بالمخاطر.

تفاوت كبير في الجودة
ليست كل السيارات الصينية متساوية. فبعض الشركات تنتج سيارات عالية الجودة، بينما تنتج شركات أخرى سيارات رديئة، تهدف للبيع فقط.

اختفاء الشركات وانهيارها
مع انتهاء الدعم أو إعلان إفلاسها، اختفت حوالي 400 شركة، مما جعل دعمها الفني وقطع غيارها أمراً صعباً، تاركاً المستورد والعملاء في مأزق.

التحول نحو الكهرباء: عامل ضغط إضافي

سياسات التحول نحو السيارات الكهربائية زادت من حدة الأزمة. إذ فرضت مدن كبرى مثل شانغهاي قيوداً صارمة على تراخيص السيارات التقليدية، حيث وصل سعر اللوحة الواحدة إلى 100,000 دولار أحياناً، بينما كانت لوحات السيارات الكهربائية مجانية. وهكذا، دفع المواطنون إلى التخلي عن سيارات البنزين، مما زاد من تكدسها، وأصبح التصدير الحل الوحيد للمصانع للتخلص من الفائض.

كيفية التمييز بين الشركات المحترفة والمتسلقة

هنا يكمن جوهر النجاح أو الفشل في التعامل مع السوق الصيني. وبناءً على تجربة عملية، يمكن تمييز الشركات كما يلي:

علامات الشركة المحترفة

  • وجود مادي حقيقي: مقرات رئيسية واضحة، مستودعات، ساحات عرض وفريق فني متخصص
  • شفافية كاملة: سجلات تجارية واضحة، ترخيص تصدير، وجميع المعلومات المطلوبة
  • الدعم اللوجستي: إدارة متخصصة في الفحص والتوثيق والشحن الدولي
  • التواصل الاحترافي: تقارير فنية مفصلة وفيديوهات مباشرة للسيارات، مع شرح إجراءات التصدير خطوة بخطوة

علامات الشركة المتسلقة أو غير الموثوقة

  • وجود افتراضي فقط: موقع إلكتروني أو مكتب صغير دون منشآت حقيقية
  • غموض وعدم شفافية: تتردد في تقديم الأوراق الرسمية، أو ترخيص باسم شركة أخرى
  • وساطة فقط: لا تملك السيارات فعلياً
  • تأخر في الرد وصعوبة اتخاذ القرار
  • التركيز المفرط على السعر على حساب الجودة والخدمة

قصة تحذيرية من أرض الواقع

في زيارة لشركة تصدير في مدينة سوجو، بدا الوضع واعداً. لكن عند طلب نسخة من الترخيص، تبين أنه يعود لشركة في مدينة أخرى. وعندما تحقق الفريق من العنوان المزعوم، تبين أنه مجرد غرفة اجتماعات مستأجرة. وكانت الشركة تعمل باستخدام ترخيص شركة أخرى، مما يعني أن أي عقد معها كان باطلاً قانونياً.

خاتمة

أعاد الدعم الحكومي الصيني رسم خريطة صناعة السيارات العالمية، وخلق فرصاً استثنائية للمستوردين بأسعار تنافسية. ومع ذلك، يجب الحذر، لأن النجاح يعتمد على اختيار الشريك التجاري بعناية، وفهم آلية الدعم، والتمييز بين الشركات المؤسسة على أسس متينة وتلك المتسلقة الباحثة عن الربح السريع. في سوق الصين، المعرفة والشفافية هما أقوى عملة.

معلومات شركتنا

مواقع التواصل الاجتماعي:

الموقع الإلكتروني: www.higreenpanda.com

البريد الإلكتروني: contact@higreenpanda.com

جوال و واتساب:  13023440305

وسائل التواصل الاجتماعي:

Instagram: @higreenpanda

Twitter: @higreenpanda

YouTube: @higreenpanda

TikTok: @higreenpanda

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *